يمثل شهر رمضان المبارك في محافظة “فارس” ومدينة “شيراز” الإيرانية، بُعداً يتجاوز كونه مجرد مناسبة دينية، ليصبح جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية لأهالي المنطقة، وموسماً تتجلى فيه أبهى صور العبودية والروحانية.
وكالة تسنيم الدولية للأنباء – إن الشهر الفضيل يعد فصلاً لتزكية النفس وتنوير الروح بفيض الإيمان؛ فهو ليس مجرد مقطع زمني في التقويم، بل هو ميعاد إلهي يتفرد بمكانة لا تضاهى عبر الصيام والقيام وتلاوة القرآن والمناجاة الخاشعة.
ارتبط شهر رمضان في محافظة فارس بسلسلة من الطقوس الراسخة، ومن أبرزها “المسحراتي” والمناجاة؛ حيث كان الأهالي قديماً يستيقظون على أصوات آلات موسيقية خاصة أو أصوات المنشدين المحليين. هذه السنة القديمة التي كان يؤديها ذوو الأصوات الحسنة من فوق أسطح المنازل والمساجد، لا تزال حية في مناطق مثل “جهرم” والأحياء العتيقة في شيراز.
وفي جنوب المحافظة، تكتسب تلاوة القرآن في المساجد والمنازل والحدائق رونقاً خاصاً، حيث يحرص البعض على ختم القرآن أكثر من 30 مرة خلال الشهر، مما يعكس عمق الارتباط الروحي بهذا الموسم.
ويعتقد الشيرازيون بضرورة تخصيص اليوم الأول من رمضان لزيارة المراقد المقدسة في المدينة، مثل مرقد “أحمد بن موسى (شاهجراغ)”، و”سيد علاء الدين حسين”، حيث تجتمع العائلات لإقامة صلاتي المغر والعشاء والإفطار في رحاب تلك المقامات.
مائدتا الإفطار والمودة: تقاليد اجتماعية عريقة
تعد مآدب الإفطار والتجمعات العائلية في منازل كبار العائلة من التقاليد المتجذرة. وفي شيراز، تبرز ظاهرة الإفطار الجماعي في المساحات الخضراء والمتنزهات، خاصة في ليالي الصيف. ويحرص المضيفون على تقديم المشروبات العشبية الدافئة أو الحليب والتمور لافتتاح المائدة.
نكهات رمضانية على الطريقة الشيرازية
تزدان الموائد في محافظة فارس بأطباق وحلويات تقليدية فريدة، تشمل:
الأطباق الرئيسية: “قنبر بلو”، “كلم بلو”، “كفتة هلو”، وأنواع الحساء المحلي (الآش).
الحلويات: “اليوخة”، “خبز الشاي”، “الترحلوا”، “الرنكينك”، و”الزلابية واللقيمات” الشيرازية.
ومن التقاليد الاجتماعية البارزة ما يعرف بـ “روز والون”؛ وهي رسم يقضي بأن ترسل عائلة العريس صواني محملة بالحلويات والسكاكر ومستلزمات الإفطار إلى منزل عائلة العروس خلال النصف الأول من الشهر.
إحياء الليالي والتكافل الاجتماعي
تتحول مساجد “فارس” في هذا الشهر إلى مراكز للهمم والتكافل، حيث تُجهز السلال الغذائية وتُوزع على المحتاجين لضمان كفاية كل مائدة. وفي “ليالي القدر”، يحيي المصلون الليل حتى السحر في المساجد والعتبات المقدسة عبر أدعية “أبو حمزة الثمالي” و”الجوشن الكبير”.
“جمعة الوداع”: طقس خاص بالشيرازيين
تنفرد نساء شيراز بطقس خاص في الجمعة الأخيرة من رمضان؛ فبعد المشاركة في مسيرات يوم القدس، يتوجهن إلى “مسجد فتح” و”المسجد الجامع العتيق” لقراءة القرآن وطلب الحاجات، وهو تقليد محلي يميز الثقافة الشيرازية.
ويختتم الشهر بعيد الفطر الذي يحظى بمكانة خاصة لا سيما في المناطق الجنوبية للمحافظة، حيث يقيم الأهالي صلاة العيد ويتبادلون الزيارات العائلية تعزيزاً لصلة الرحم.

