
– فرصة للدبلوماسية وسط ضجيج السفن الحربية واللوبيات، هذا وصف يمكن أن يطلق على المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في عاصمة سلطنة عمان؛ مفاوضات بعيدا عن الضوضاء في مدينة هادئة ومألوفة لإيران، وفي منزل وبتيسير وزير الخارجية العماني.
وأفادت “إرنا” بأن طائرة وزير الخارجية الإيراني والوفد المرافق له هبطت فجر (امس) الجمعة في مطار مسقط، قبل ساعات من انعقاد أحد أهم وأدق المفاوضات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، بعد سبعة أشهر من توقف مسار الدبلوماسية السابق، إثر ضوء أخضر أمريكي ضمني لـ “تل أبيب” بمهاجمة إيران، مما أدى عمليا إلى تعطيل الجهود الدبلوماسية السابقة.
تفاصيل الرحلة والتحضيرات الدبلوماسية
رافق وزير الخارجية “عراقجي” في هذه الرحلة نائبان للشؤون السياسية والاقتصادية، فضلا عن المتحدث باسم الوزارة الخارجية، على أن يلتحق نائب الشؤون القانونية بالوفد في اليوم التالي. وقد بدا خلال الرحلة الجوية أن الحذر في التفاؤل بشأن نتائج المفاوضات كان السمة الأساسية للوفد الإيراني، استنادا إلى تجربة الأشهر الماضية، مما يعكس مشاركة طهران بأقل مستوى ممكن من الثقة حيث أكد وزير الخارجية قبل انطلاق الرحلة في تغريدة : إيران تدخل مسار الدبلوماسية بعيون مفتوحة، دون نسيان أحداث العام الماضي؛ نحن نتعامل بحسن نية، مع التمسك الحازم بحقوقنا.
مسقط / اختيار المكان وأهمية الاستقبال العماني
واستضافت مسقط، عاصمة سلطنة عمان المفاوضات النووية في أجواء هادئة، المدينة التي تتميز بمنازلها البيضاء وشوارعها الهادئة مقارنة بعواصم الجوار مثل دبي وأبوظبي، وهو ما انعكس في شعور الوفد الإيراني بالطمأنينة والاستقبال الحار من سكان المدينة؛ وبحسب موظف في السفارة الإيرانية لدى السلطنة، فإن الشعب العماني يظهر احتراما كبيرا للإيرانيين بسبب العلاقات التاريخية والصداقة القريبة بين البلدين.
وصباح يوم الجمعة، استقبلت سلطات عمان وزير الخارجية الإيراني، مما يعكس الثقة الخاصة لطهران بمضيفها واعترافها بدور عمان في تهيئة الظروف الملائمة لعقد الجولة. وقد بدأت المفاوضات في منزل وزير الخارجية العماني بعيدا عن أعين وسائل الإعلام، ما أتاح للوفد الإيراني التركيز وتقليل أي تشويش إعلامي محتمل.
سير المفاوضات وأسلوب التفاوض الإيراني
وشارك “عراقجي” مع نوابه السياسي والاقتصادي والقانوني في المفاوضات، وأظهرت لغة جسد الفريق الإيراني استعدادا لخوض محادثات صعبة وصريحة، مع التأكيد على التمسك بالحقوق والمصالح الإيرانية حيث قدم الوفد مقترحاته إلى الوزير العماني “بدر البوسعیدی” والتي نقلت بعد ذلك إلى ممثلي الولايات المتحدة، “ستيفن ويتكوف” و”جاريد كوشنر”.
واستمرت الجولة الثانية من المفاوضات لأكثر من أربع ساعات بوساطة وزير الخارجية العماني، وانتهت مساء يوم الجمعة في أجواء ساهمت في إنقاذ مسار الدبلوماسية.
نتائج الجولة الأولى وأهداف إيران من المشاركة في المفاوضات
وأكد وزير الخارجية في ختام الجولة أن الاجتماعات سمحت بنقل وجهات نظر ومخاوف ومصالح الشعب الإيراني، كما تم الاستماع إلى وجهات نظر الطرف الأمريكي؛ مؤكدا أن استمرار المفاوضات يعتمد على التشاور في العواصم حول خطوات المسار المقبل. وشدد على أن أي حوار يتطلب الامتناع عن التهديد والضغط العسكري.
ويعد الهدف الأساسي لإيران من المشاركة في هذه المفاوضات، احترام إرادة دول المنطقة أولا، وتقييم حسن نية أمريكا ثانيا. ويبدو أن الجولة الأولى، مع الإعلان عن انعقاد جولة ثانية، أظهرت للجانب الإيراني مؤشرات على جدية الطرف الأمريكي وعدم تأثره بالتيارات الراديكالية والداعية للحرب.
التقييم العام للجولة والدبلوماسية الإقليمية
وغادر وزير الخارجية الإيراني مطار مسقط مساء الجمعة بعد أن فتحت الجولة الأولى من المفاوضات ملفا جديدا في الدبلوماسية، بالرغم من تقييم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للجولة بأنها “جيدة”، إلا أن هذه التقييمات لا تشكل ضمانا كافيا لطهران أو المنطقة أو المجتمع الدولي، ويجب أن تثبت خطوات عملية مسار العودة إلى الدبلوماسية، بعيدا عن العقوبات والتهديدات.
وتعد هذه الجولة أول صوت دبلوماسي في مواجهة الأصوات المتصاعدة للتيارات الحربية في المنطقة ولضغوط اللوبيات المتشددة في واشنطن وتل أبيب؛ وتشير التجربة التاريخية الممتدة لأكثر من أربعة عقود من الخلافات بين إيران والولايات المتحدة إلى أن أي مفاوضات بين البلدين تتحول إلى حدث عالمي بالغ الأهمية، ما يجعل الجولة في مسقط بداية حساسة لمسار دبلوماسي طويل.
إيران، وفق تصريحات وزير خارجيتها، تفضل الدبلوماسية لكنها في الوقت نفسه مستعدة لأي تصعيد محتمل، مع التأكيد على أن الحوار يبقى الخيار المفضل.
