المستشار الثقافي الإيراني في العراق غلام رضا أباذري
في سماء الفن الإيراني، تتلألأ لوحة “عصر عاشوراء” للفنان الراحل الأسطورة محمود فرشچيان ( 1929 ـ 2015) لا كتحفة فنية خالدة وحسب، بل كقطعة من الروح تمتد لتلامس أعماق الوجدان الإنساني. إنها شهادة فنية نادرة على قدرة الإبداع على اختزال مأساة تاريخية عظيمة في عمل واحد،
صاغه فرشچيان بإلهام روحي خالص جعله يتجاوز حدود الزمن والواقع. هذه اللوحة، التي أُنجزت في 1976 ..( 1355 هجري )
تُصوّر مشهداً بالغ التأثير والألم: عودة جواد الإمام الحسين ( ع) إلى الخيام خاليا من فارسه، حاملاً معه صدى فاجعة كربلاء المدوية التي لم تنطفئ جذوتها في قلب كل مؤمن. إنها لحظة تتوقف فيها الأنفاس، ويتجسد فيها الحزن في أبهى صوره، ليروي حكاية بطولة وتضحية لا تُنسى أبدًا.
حكاية ريشة من وحي الإيمان يُروى أن شرارة إبداع هذه اللوحة الخالدة انطلقت من لحظة تجلٍّّ روحي عميقة، عاشها الفنان الراحل ..محمود فرشچيان في محراب حزنه على الإمام الحسين (ع) يصف فرشچيان بنفسه تلك التجربة الفريدة قائلاً:
“في يوم عاشوراء، وقبل ثلاث سنوات من انتصار الثورة الإسلامية، نصحتني والدتي بأن أستمع إلى مجالس العزاء، لأستقي من فيض معانيها العظيمة. دخلت غرفتي، فإذا بي أُصاب بضيق في صدري،وتغشاني حالة غريبة من الحزن، فالتقطت ريشتي وبدأت بالرسم. وما خطته يدي في تلك اللحظة كان هو ذاته ما ترونه في اللوحة اليوم، بلا أي تغيير أو تعديل”.
هذا التعبير التلقائي الذي لم يخضع للمراجعة، يكشف عن فيض روحي نادر غمر الفنان، مما جعل هذا العمل الأثير إلى قلبه، وجعله يعترف أنه لا يملك إلا أن تبكي عيناه كلما نظر إليه، وكأن اللوحة أصبحت مرآة تعكس حزنا يتجاوز حدود الزمن والتقنية، ليتجسد فيها إيمان الفنان الصادق وعشقه العميق لتلك المأساة. لقد كانت تلك اللحظة هي لحظة ولادة فنية لا تخضع لقوانين الرسم، بل تتجاوزها إلى عالم الرمز والروح، لتؤكد أن الإبداع الحقيقي لا ينبع من مجرد مهارة، بل من إلهام سماوي يلامس شغاف القلب.
لغة الرمز والألوان
على عكس أعمال الفنان الأخرى التي اعتمدت الإطار العمودي، اختار فرشچيان في هذا العمل إطاراً أفقيا يوحي بالثبات والإنهاك، ويحمل في تكوينه الدائري إيحاءً بالجزع والالتفاف حول محور الألم. لكنّ سرّ جاذبيتها يكمن في ابتعادها عن المألوف:
غياب البطل: إن قوة اللوحة تكمن في غياب بطلها، الإمام الحسين (ع). فالمكان الفارغ في مركزها ليس مجرد فراغ، بل هو بؤرة القوة التي تفرض على المشاهد البحث عن البطل الغائب، فيتحول حضوره الرمزي إلى طاقة أعمق وأكثر تأثيراً في النفس من أي تجسيد مادي. هذا الغياب يرفع
اللوحة من مستوى التوثيق التاريخي إلى مستوى التعبير الفلسفي عن فاجعة أكبر من أن تُحتوى.
فصاحة الألوان: الألوان في هذه اللوحة تتجاوز وظيفتها الجمالية لتصبح لغة قائمة بذاتها. فالخلفية الفاتحة توحي بجفاف صحراء كربلاء وعطشها، بينما ترمز الألوان الداكنة والبنفسجية إلى عمق الحزن الذي يلف المشهد. كل لون هنا ليس مجرد صبغة، بل هو كلمة في قصيدة حزنٍّ خالدة.
رسائل الرمز: كل عنصر في اللوحة يحمل دلالة عميقة. فالحصان، برأسه المنكسر وعينيه الدامعتين، ليس مجرد حيوان، بل هو رسول المصيبة الذي يحمل ثقل الفاجعة. ووجوه النساء المخفية تظهر احتراما وتقديراً لمقامهن، وتعبيرًا عن حزنٍّ أشد من أن يُرى أو يُفصح عنه. إن فرشچيان ) الذي رحل عن عالمنا في 1394 جرية الموافق 2015 م ( قد أجاد توزيع الأدوار في
هذا المشهد الأليم، فكل تفصيل فيه يحكي قصة حزينة، من طرف الخيمة المتهدّل إلى الدخان المتصاعد، فكانت كل لمسة ريشة بمثابة حكاية.
إرثٌ فنيٌّ خالدٌ وشهادةٌ في محراب الفن ببراعة عبقرية، استطاع الفنان محمود فرشچيان أن يمزج بين تقنيات الرسم الكلاسيكي والحديث ليؤسس مدرسة فنية خاصة به. لم تكن أعماله الشهيرة الأخرى، مثل لوحتي “حامل لواء الحق” و”هدية الحب”، سوى محطات في مسيرته الفنية التي توجها بلوحته الخالدة “عصر عاشوراء”. حظيت هذه اللوحة بإشادة النقاد والفنانين داخل إيران وخارجها، وأصبحت رمزًا فنيًا لواقعة عاشوراء، حتى أنها
أُدرجت في قائمة التراث الوطني الإيراني.
تُعدّ لوحة “عصر عاشوراء” شهادة على أن الفن الحقيقي هو الذي يجسد قضايا خالدة، ويتحول إلى جسر يربط بين التاريخ والروح. فكل لمسة من ريشة فرشچيان في هذا العمل تحمل حكاية عاطفية عميقة،وتدعو المشاهد للتأمل والغوص في عالم من الوجدان، لتخلد ذكرى الفاجعة في القلوب عبر الأجيال.
تأكيدًا على مكانتها الفريدة، حظيت اللوحة بتقدير رفيع من قائد الثورة الإسلامية، الإمام الخامنئي (دام ظلّه) ، الذي عبّر عن عميق تأثره بها.
وصفها سماحته بأنها عمل فني يلامس شغاف الروح، وقال بعبارات تحمل الدهشة والإعجاب: “على الرغم من أننا نعرف الكثير من الروايات عن المصائب، إلا أن السيد فرشچيان يروي مصيبة تجعلنا نبكي.
ما هذا الفن المفيد والعميق والمعبّر الذي يملك القدرة على خلق هذه الحالة؟”.
ولم يكتفِ الإمام بذلك، بل أضاف في تصريح له بتاريخ ( 10 سبتمبر 1993) ، كاشفًا عن سر تأثره الشخصي: “في كل مرة نظرت فيها إلى اللوحة التي أهداني إياها السيد فرشچيان بنفسه، بكيت. هذا على الرغم من أن صدري يفيض بروايات المصائب التي وقعت في فجر عاشوراء وعصرها. من منا يعرف أكثر مما كُتب وقُرئ وقيل في هذا الصدد؟”.
وتابع بكلمات تزيد من عظمة العمل: “يقولون إن أهل هذه الأمور لا يبكون بأنفسهم، ولكن على الرغم من معرفتنا بكل هذه المصائب، فإن السيد فرشچيان يروي :مصيبة تجعلنا نبكي. ما هذا الفن العظيم الذي يملك القدرة على رواية المصيبة بهذه الطريقة حتى يؤثر في قلوبنا ويجعلنا نذرف الدموع؟”.
تؤكد هذه الكلمات أن اللوحة ليست مجرد عمل فني يوثّق حدثًا، بل هي تجسيد للإيمان الذي يتجاوز كل الحدود، ومرآة تعكس فجيعة خالدة بأسلوب يتسلل إلى أعماق الوجدان، ويلامس شغاف الروح
