في بغداد، لا تقاس الدبلوماسية بعدد البيانات الرسمية وحدها، بل أحيانا تقاس بعدد أكواب الشاي التي ترتشف في المقاهي العتيقة. ففي ليالي رمضان، تتحول المقاهي التراثية إلى منصات حوار ثقافي واجتماعي، حيث يلتقي الدبلوماسي بالمثقف، ويصافح التراث الحاضر في أبهى تجلياته. ومن بين هذه الأمكنة، يبرز مقهى رضا علوان بوصفه ذاكرة حية لروح بغداد، ومسرحا لطقوس رمضانية تستعيد نبض المدينة وأصالتها.
تشكل زيارات السفراء الأجانب والعرب إلى المقاهي البغدادية التراثية خلال شهر رمضان طقسا دبلوماسيا واجتماعيا ذا دلالة عميقة، إذ تتجاوز حدود المجاملة البروتوكولية لتلامس جوهر الموروث الشعبي العراقي. فهذه الزيارات لا تُقرأ بوصفها نشاطا رسميا فحسب، بل بوصفها انخراطا مباشرا في تفاصيل الحياة البغدادية، وتأكيدا على قيمة الثقافة بوصفها جسرا للتواصل بين الشعوب.
في مقهى رضا علوان، حيث تختلط رائحة الشاي بصدى الأهازيج الرمضانية، يستعيد المكان تقاليد الحكواتي، أو ما يعرف بـ”القصخون”، الذي كان يروي الحكايات الشعبية ويؤثث ليالي السمر بالحكاية والموعظة والطرفة. كما تحضر لعبة المحيبس بوصفها طقسا اجتماعيا أصيلا، إذ يتشارك الحضور في منافساتها الودية التي تعزز روح الجماعة وتضفي على الأمسيات نكهة خاصة.
وتسعى هذه الزيارات إلى توثيق التراث العراقي، من خلال التعرف على العادات والتقاليد والأكلات الرمضانية، واستحضار رموز الشهر الفضيل، وفي مقدمتها شخصية المسحراتي أو “أبو الطبل”، الذي يجوب الأزقة قبيل السحور بطبلته وأهازيجه لإيقاظ الناس، في مشهد يختزن ذاكرة الطفولة ودفء الأحياء الشعبية.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة سعادة السفير الإيراني في العراق محمد كاظم آل صادق يوم الثلاثاء الموافق 24/2/2026 إلى مقهى رضا علوان، حيث كان في استقباله مدير المقهى وعدد من رواده من المثقفين والأدباء. وقد اتسمت الزيارة بطابع دبلوماسي واجتماعي واضح، عكست حرص البعثات الدبلوماسية على الانفتاح على الفضاءات الثقافية الشعبية، والتفاعل المباشر مع جمهورها.
وكتب السفير الايراني في حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي عن هذه الزيارة ” في أمسية رمضانية بغدادية جميلة
زرت مقهى علاء رضا علوان الثقافي حيث تمتزج المحبة والثقافة والشعر والادب والكتاب والجمال والهدوء وطعم البن والشاي العراقي والكرم ،كانت ليلة رائعة وممتعة حقا”
ولا تقف أهمية هذه الزيارات عند حدود البعد الثقافي، بل تمتد إلى دعم السياحة الثقافية وتنشيط الاقتصاد المحلي، عبر تسليط الضوء على المعالم التراثية في بغداد وإعادة الاعتبار إلى فضاء المقهى بوصفه مؤسسة اجتماعية وثقافية فاعلة.
يبقى السؤال مطروحا: رمضان في العراق… ماذا تبقى من تراثه وموروثه الشعبي؟ لعل الإجابة تتجلى في مثل هذه الأمسيات، حين يتحول المقهى إلى مساحة جامعة تستعيد أصالة المدينة، وتؤكد أن بغداد ما زالت قادرة على تقديم صورتها المضيئة، حيث يلتقي الدبلوماسي بالمثقف، ويصافح الشاي ذاكرة الوطن، في مشهد تختصره كلمة واحدة: التراث الحي.
