لا يمكن النظر إلى العلاقات العراقية ـ الإير، انية من زاوية سياسية ضيقة أو ربطها بالكامل بموقف طارئ تفرضه تطورات إقليمية أو قرارات دولية مؤقتة فالعلاقة بين بغداد وطهران أوسع من أن تختصرها الملفات السياسية لأنها تستند إلى الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية والدينية فضلا” عن حدود برية طويلة وحركة مستمرة للأشخاص والبضائع بين البلدين.
وتكشف التطورات الأخيرة أن المصالح المشتركة ما زالت حاضرة بقوة ففي تموز الماضي اتفق العراق وإير، ان على توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والنقل والترانزيت وتسريع مشروع سكة حديد البصرة ـ شلامجة والعمل على إزالة العقبات أمام المشاريع المشتركة كما يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين وفق تقارير حديثة ۱۲مليار دولار سنويا”.
وللعلاقات بعد آخر لا يقل أهمية يتمثل في حركة الزائرين الإيرا، نيين إلى العراق ولا سيما إلى النجف الاشرف وكربلاء المقدسة وسامراء والتي تشكل أحد أهم جسور التواصل الشعبي بين البلدين كما أن المنافذ الحدودية البرية تمثل شريانا” أساسيا” للتبادل التجاري وحركة المسافرين وقد استمرت حركة التجارة بين البلدين حتى خلال فترات التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة .
ولهذا فإن التعامل العراقي مع الضغوط الدولية المتعلقة بإير، ان يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والواقعية فالعراق دولة ذات سيادة ومن الطبيعي أن يلتزم بالقواعد والقرارات التي تترتب عليه دوليا”لكنه في الوقت نفسه معني بالحفاظ على مصالحه الوطنية وعدم السماح بأن تتحول الإجراءات المرتبطة بملف محدد إلى أزمة شاملة في علاقاته مع دولة جارة ويظهر ملف الطيران الحالي مثالا” واضحا”على هذه المعادلة الصعبة فقد دخلت الإجراءات الأميركية المتعلقة بشركات الطيران الإيرا، نية حيز التنفيذ وانعكست على الرحلات إلى بغداد بينما استمرت ترتيبات مختلفة بشأن الرحلات إلى النجفالاشرف.
لكن توقف أو تقييد النقل الجوي لا يعني بالضرورة توقف العلاقات أو التبادل التجاري خصوصا”أن جزءا” كبيراً من حركة البضائع بين العراق وإير، ان يتم عبر المنافذ البرية وقد شهدت المنافذ العراقية ـ الإيرا، نية خلال أيلول استئناف الحركة التجارية في عدد منها مع استمرار حركة التجارة والترانزيت عبر منافذ أخرى.
المطلوب ألا يتحول إجراء يتعلق بالطيران أو بأي ملف محدد إلى عنوان للعلاقة كلها فالدول لا تعتمد في علاقاتها على ملف واحد ولا ينبغي أن تسمح للظروف المؤقتة بأن تهدم مصالح تراكمت على مدى عقود خاصة وان العراق اليوم أمام مرحلة حساسة خصوصاً مع اقتراب 30 أيلول وما يحمله من دلالات تتصل بالسيادة الوطنية والقدرة على اتخاذ القرار بعيدا” عن الضغوط والسيادة لا تعني القطيعة مع جار تمتد الحدود المشتركة معه الف كيلو متر كما أن احترام الالتزامات الدولية لا يعني التخلي ابدا”عن المصالح الوطنية.
المعادلة الأكثر واقعية هي أن يحافظ العراق على علاقاته مع إير، ان كما يحافظ على علاقاته مع الولايات المتحدة وبقية دول العالم وأن يجعل مصالحه الوطنية وسيادته أساسا” في إدارة هذه العلاقات فالجوار لا يمكن تغييره والمصالح المشتركة لا تختفي بقرار سياسي او ضغط دولي والعلاقات بين الشعوب أعمق من أن تتأثر بالكامل بظرف مرحلي.
ولذلك فإن الحكمة العراقية تقتضي إدارة الاختلاف لا تحويله إلى قطيعة وحماية المصالح لا الدخول في محاور والحفاظ على السيادة من دون التفريط بعلاقات الجوار وهذه هي المساحة التي يستطيع العراق من خلالها أن يكون دولة صاحبة قرار لا ساحة لتصفية الخلافات مع الآخرين.
محمد حنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *