هناك دلائل تشير إلى أن الحصار البحري للموانئ الإيرانية، بدلاً من أن يكون استراتيجية جادة، هو في الواقع مساحة لتمهيد انسحاب تدريجي لأمريكا.
وكالة تسنيم الدولية للانباء: يُعد مخطط الحصار البحري لإيران من قبل الأسطول الأمريكي، مقارنةً بدعوى الحرب السريعة والسهلة التي طُرحت في بداية العدوان الأمريكي-الصهيوني، خطوة إلى الوراء، وأكثر تعقيداً، وتتطلب صبراً أطول، وهي بلا شك أطول أمداً.
بينما تدعي القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، فقد أثبتت إيران قوتها في مضيق هرمز خلال الحرب المفروضة الثالثة. في ظل هذه الظروف، ليس من الواضح كيف ستصنع البحرية الأمريكية المهزومة معجزة بمحاولة حصار الموانئ الإيرانية، وهو ما يعني بالضرورة مزيداً من إغلاق مضيق هرمز.
عنصر الوقت في استراتيجية الحصار
في استراتيجية الحصار، يلعب عنصر الوقت دوراً حاسماً. لا بد من الانتظار حتى تظهر آثار الحصار، التي تشبه إلى حد كبير العقوبات، تدريجياً.
بالنظر إلى آلاف الكيلومترات من الحدود المشتركة بين إيران وجيرانها، وكذلك خبرة بلدنا في الصمود خلال سنوات العقوبات، فإن خطة الحصار البحري لإيران تحتاج إلى قدر هائل من الصبر.
صعبٌ أن يُقبل الأمريكيون على هذا الصبر، في ظل ارتفاع أسعار البنزين والتضخم المتصاعد لبعض السلع في بلادهم.
وهذا يحدث في الوقت الذي كان ترامب يسعى إلى حرب سريعة وسهلة ضد إيران، وقد سئم، وفقاً لمصادر غربية منذ فترة طويلة، من إطالة أمد الحرب مع إيران.
قبل أسبوعين تقريباً من وقف إطلاق النار، أفادت شبكة “MS Now” نقلاً عن مسؤول في البيت الأبيض بأن ترامب قد سئم الحرب مع إيران.
كما ذكرت صحيفة “التلغراف” بعد طرح مسألة وقف إطلاق النار أن “جميع الدلائل تشير إلى أن البيت الأبيض يريد إنهاء الصراع مع إيران في أسرع وقت ممكن والانتقال إلى شؤون أخرى”.
الوقت يعمل ضد ترامب
إذا اعتبرنا أن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر القادم (تشرين الأول/أكتوبر) هي أحد أسباب عجلة الإدارة الأمريكية لإنهاء الوضع المتأزم في الحرب مع إيران بأسرع وقت، فإن خطة الحصار البحري التي تتطلب صبراً أطول لتحقيق نتائج، ستكون أسوأ خيار ممكن.
من ناحية أخرى، أظهرت أمريكا خلال أربعين يوماً من القتال أقصى درجات الضعف على المياه. فقد أظهرت حاملات الطائرات الأمريكية ضعفها في الحرب البحرية، هاربةً إلى مسافة ألف كيلومتر من المياه الإيرانية، حتى قبل تساقط طائراتها المقاتلة الواحدة تلو الأخرى كـ”تسونامي”.
مضيق هرمز والسيطرة الإيرانية عليه، هو العامل الذي أظهر لترامب، باعتراف صحيفتي “الإندبندنت” و”التايمز” اليابانية، ما يقرب من نصف قوة الجيش الأمريكي.
فقد فعل الرئيس الأمريكي خلال أربعين يوماً من القتال كل ما في وسعه لفتح مضيق هرمز، واضطر في النهاية، كآخر ورقة رابحة، إلى طلب وقف إطلاق النار من إيران.
استراتيجية ترامب الغامضة بشأن مضيق هرمز
إن مراجعة تصريحات ترامب المتناقضة بشأن مضيق هرمز تُظهر أيضاً أنه ليس لديه استراتيجية صحيحة لهذه القضية، وأن الحصار الذي يحتاج إلى مزيد من الصبر ليس هو الحل الأمثل له في هذه المسألة.
في بداية الحرب، طلب ترامب من إيران عدم إغلاق مضيق هرمز. ثم ادعى أن أمريكا قادرة على فتحه. وفي الخطوة التالية، جرّ الناتو وأوروبا إلى الخط، ولما لم يصل إلى نتيجة، قال: “هذا المضيق ليس مهماً لأمريكا بقدر أهميته لأوروبا”.
وفي نهاية الحرب، فتح فاه بالشتائم قائلاً: ” افتحوا المضيق!”
لكنه الآن، تجاه المضيق الذي كان يطلب فتحه بالشتائم والاستجداء، تبنى استراتيجية الحصار، أي المزيد من الإغلاق! وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز”: “ترامب يخطط لـ”حصار” مضيق كان قد أكد سابقاً على ضرورة بقائه مفتوحاً”.
خطط وهمية لحصار إيران
يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تملك القدرة، ولا الوقت، ولا حتى الدافع والإرادة اللازمين لفرض حصار على الموانئ الإيرانية. كما أن إعادة تأكيد بعض الدول مثل اليابان وبريطانيا وأستراليا عدم انضمامها إلى الصراع في مضيق هرمز، تُظهر أن الظروف بالنسبة لأمريكا فيما يخص الحصار البحري لم تتغير عما كانت عليه خلال فترة الحرب.
وفي هذا الصدد، قال اللواء محسن رضائي (القائد الاسبق للحرس الثوري) إن أمريكا لن تنجح في حصار مضيق هرمز كما فشلت في فتحه. لأن “إيران ليست مكاناً يمكن إغلاقه بالتغريدات والخطط الوهمية”.
كما وجّه محمد باقر قاليباف خطابه إلى الشعب الأمريكي، مذكّراً بالسعر الحالي للبنزين في بلادهم، وكتب: “استمتعوا بالسعر الحالي للبنزين. فبما يسمى بـ”الحصار”، ستحنّون قريباً إلى بنزين الأربعة أو الخمسة دولارات”.
ووفقاً لقناة “برس تي في” الايرانية فإن إيران يمكنها، بإغلاق مضيق باب المندب، أن تلعب ورقة رابحة أخرى في مواجهة خطة ترامب للحصار البحري. كما أعلن المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي أنه “إذا هُدّدت أمن الموانئ الإيرانية، فلن يكون أي ميناء في المنطقة آمناً”.
وهذان العاملان يمكن أن يكون لهما تأثير أكبر على ارتفاع أسعار النفط، خاصة وأن النفط قد شهد بالفعل ارتفاعاً بنسبة 8% مع تصاعد التوترات مجدداً.

