من رحلاتي الى إير, ان
رشت – حمدي العطار
لم تكن رحلتنا في إقليم كيلان انتقال بين مدن أو زيارة لمعالم سياحية فحسب، فقد كان الطريق نفسه جزءاً من الرحلة. كلما ظننا أننا اقتربنا من نهاية جولتنا كانت مدينة جديدة تفتح لنا باباً آخر لاكتشاف إير، ان، بحر ومدينة وميناء ثم جبال وغابات وبيوت معلقة على المنحدرات، وبينهما أسواق وحلوى ومطاعم وأسماك ووجوه بشرية تضيف إلى المكان ذاكرته الخاصة.
وقبل أن نودع رشت ونغادر باتجاه طهران ومنها إلى النجف كان لابد من زيارة بندر أنزلي المدينة الساحلية التي تمثل إحدى بوابات إير، ان على بحر قزوين. وكانت تعرف في السابق باسم “بندر بهلوي” قبل أن يعود إليها اسمها الحالي “بندر أنزلي” المرتبط بدلالتها بوصفها بوابة وميناءً بحرياً مهماً.
،*أنزلي.. بوابة على بحر قزوين
تجولنا في أسواق أنزلي ومحالها الحرة حيث تعرض سلع وبضائع أجنبية من بلدان مختلفة معفاة من الرسوم الجمركية. ومع ذلك فإن مقارنة أسعار هذه البضائع بالمنتجات الإيرا، نية تكشف في كثير من الأحيان عن قدرة الإنتاج المحلي على المنافسة سواء من ناحية السعر أو الجودة.
لكن الإنسان بطبيعته ينجذب أحياناً إلى الشيء الذي يراه أقل حضوراً في حياته وربما لهذا السبب كانت السلع الأجنبية تحظى باهتمام واضح من المتسوقين.
تركنا الأسواق واتجهنا نحو الساحل حيث أمضينا ساعات نراقب طيران الشراع الحر فوق مياه بحر قزوين. كان المشهد مختلفاً عن صخب الأسواق، البحر أمامنا والسماء مفتوحة، وحركة الطائرات الشراعية تضيف إلى المكان إحساساً بالحرية.
وبما أن أنزلي مدينة تشتهر بصيد الأسماك لم يكن من الممكن مغادرتها من دون وجبة سمك. اخترنا أحد المطاعم وتناولنا غداءً لذيذاً جعل للمدينة نكهة أخرى في ذاكرتنا.
ثم عدنا إلى الساحل حيث كانت العائلات الإيرا, نية تنتشر بالقرب من بحر قزوين وتنصب خيامها لقضاء أوقات طويلة بمحاذاة البحر. جلسنا هناك نحتسي الشاي العراقي فيما كانت ثلاث سفن روسية ترسو قبالة أنزلي في مشهد بحري يختصر شيئاً من موقع المدينة وعلاقتها بالبحر.
وتبعد أنزلي نحو 40 كيلومتراً عن رشت لكن المسافة هنا لا تقاس بالكيلومترات وحدها، فالطريق بين المدينتين يفتح أمام المسافر مشاهد جديدة من طبيعة كيلان وحياتها اليومية.
*ماسولة.. المدينة التي تمشي على شكل سلالم
إذا كانت أنزلي بوابة إير، ان البحرية على بحر قزوين فإن ماسولة تبدو كأنها بوابة أخرى، ولكن هذه المرة إلى عالم الجبال والغابات والعمارة الفريدة.
تقع ماسولة في منطقة جبلية غنية بالغابات وتنتشر بيوتها على المنحدرات الصخرية حتى تبدو المدينة من بعيد وكأنها مجموعة من السلالم المتتابعة. والأغرب من ذلك أن سطح البيت السفلي يتحول إلى فضاء أو شرفة للبيت الذي يعلوه فتتشابك البيوت مع الجبل بطريقة تجعل العمارة جزءاً من الطبيعة وليست جسماً غريباً عنها.
تتميز المدينة بمناخ رطب ومعتدل في الصيف وبارد في الشتاء فيما تمنحها الجبال والغابات المحيطة بها طابعاً بصرياً خاصاً. وتضم مباني تاريخية قديمة مصنوعة من الخشب والحجر والطين وتحظى هذه الأبنية بقيمة تراثية كبيرة لذلك تخضع أعمال التغيير أو الترميم فيها لضوابط تحافظ على شكلها وطابعها التاريخي.
لكن ماسولة ليست فقط مدينة قديمة يعيش أهلها على ذكريات الماضي، إنها مدينة صنعت من تراثها مصدر رزق. فالسياحة هي النشاط الاقتصادي الأبرز وتشارك العائلات في استقبال الزائرين وخدمتهم. النساء يعرضن الأعشاب والمنتجات اليدوية والدمى الصغيرة بينما يعمل الشباب في بيع الحلوى والمطاعم والخدمات المرتبطة بالسياح.
وهنا تبدو العلاقة بين الإنسان والمكان واضحة فالمدينة لا تحافظ على تراثها فقط وإنما تجعل من هذا التراث وسيلة للحياة والاستمرار.
*فومن.. حين تتحول الحلوى إلى هوية مدينة
لكن الوصول إلى ماسولة لم يكن سهلاً كما تبدو المسافة على الخريطة. الطريق الذي قطعناه لا يتجاوز نحو 55 كيلومتراً إلا أن ازدحام السيارات وكثرة التوقفات جعل الرحلة تستغرق ساعات.
كانت لنا محطة في فومن المدينة التي ارتبط اسمها في ذاكرتنا بالمعجنات والحلوى. توقفنا لتناول الفالودة واشترينا من معجناتها التي تشتهر بها المدينة ثم واصلنا الطريق.
وفي الطريق توقفنا مرة أخرى لشواء الذرة وتناولها قبل أن يبدأ الصعود نحو الجبل. ومع ازدياد ارتفاع الطريق ازداد ازدحام السيارات، حتى أصبح العثور على مكان لوقوف السيارة مهمة ليست سهلة.
وهكذا اكتشفنا أن متعة الطريق لا تكمن دائماً في الوصول السريع إلى الهدف بل في تلك التوقفات غير المخطط لها وفي الطعام الذي نتذوقه وفي الأسواق الصغيرة وفي الناس الذين نصادفهم وفي المناظر التي لا تمنح نفسها للمسافر إلا إذا منحها الوقت.
وبعد زيارة ماسولة وفي طريق العودة كان مطعم الدولفين في فومن بانتظارنا بوجبة سمك لذيذة وكأن السمك أصبح خيطاً يربط بين أنزلي وماسولة وفومن في نهاية هذه الرحلة.
نغادر رشت.. ولا تنتهي الحكاية
وبذلك انتهت جولتنا في إقليم كيلان وحان وقت حزم الحقائب ومغادرة رشت الجميلة باتجاه طهران ومنها إلى النجف.
كانت الرحلة تقترب من نهايتها لكن المدن التي مررنا بها لم تكن أسماء على خارطة الطريق فحسب. أنزلي تركت لنا البحر والسفن والأسواق، وفومن تركت لنا طعم الحلوى والمعجنات، وماسولة بقيت في الذاكرة كمدينة صعدنا إليها كما نصعد سلماً طويلاً في قلب الجبل.
وهكذا كلما اقتربنا من نهاية الرحلة اكتشفنا أن إير، ان التي كنا نبحث عنها لم تكن موجودة في المعالم الكبرى وحدها وإنما في تفاصيل المكان الصغيرة: في بيتٍ معلق على منحدر، وفي بائع أعشاب، وفي طبق سمك، وفي كوب شاي عراقي على ساحل قزوين، وفي طريق يستغرق ساعات رغم أن المسافة لا تتجاوز عشرات الكيلومترات.
ولعل أجمل ما في الرحلة أن الحقيبة حين امتلأت بالملابس والهدايا كانت الذاكرة قد امتلأت بما هو أثمن: وجوه وأماكن وحكايات لا تستطيع الخرائط أن تختصرها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *